تفكك القيم في عصر قيمة المال
يستحضر الفيلسوف الفرنسي ألان باديو إرث سقراط وأفلاطون في محاولة لاستعادة جوهر المعاني التي تلاشت في زمن اختلطت فيه الغاية بالوسيلة، والدال بالمدلول. إن المجتمع السليم هو الذي يحفظ الفوارق بين الضروريات والكماليات، ويُدار فيه الحكم لصالح الأغلبية لا وفق إملاءات أوليغارشية تفرض هيمنتها.
لقد أعاد التوجه النيوليبرالي تشكيل المفاهيم، محولاً كل شيء إلى بضاعة، ليصبح المال -كما يرى جورج سيمل- قيمة القيم لا مجرد وحدة قياس. هذه الحالة أدت إلى تحلل القيم الجوهرية، حيث تآكلت قدرة الطبقات المتوسطة، مما جعلها عرضة للمغامرات السياسية المتهورة.
أصابنا لظى تلك التوجهات، أضحينا مجتمعات من غير معنى، يختلط لدينا الدال والمدلول، ونحسب مثلا أن الانتخابات هي الديمقراطية، وأن مظاهر الثراء هي التقدم، وأن انعدام الغاية يبرر الوسيلة، وأن الكماليات تغني عن الضروريات
الدولة كشركة: حينما يغيب التضامن
تحولت الدولة في ظل النيوليبرالية إلى مجرد شركة مساهمة تُدار بمعايير الربح والخسارة، مما أدى إلى تهميش قيم التضامن والانتماء والتضحية. وقد حذر الاقتصادي جوزيف ستغليتز من تحول نظام السوق إلى أصولية تفرض منطقها على السياسة، حيث أصبح الذيل يحرك الكلب بدلاً من العكس.
هذا التحول خلق حالة من انعدام القواعد (Anomie) كما وصفها دوركايم، حيث تعيش المجتمعات حالة من التحلل تفضي إلى الانحراف الاجتماعي. وهنا، لا تكفي الأرقام والبيانات الإحصائية لتفسير الواقع، بل يجب استحضار الذاكرة والوجدان، وهو ما تفتقر إليه المقاربات التكنوقراطية التي تغفل عن البعد الإنساني العميق.
استعادة المعنى: الطموح كضرورة وجودية
لا يمكن مواجهة حالة اللامعنى إلا من خلال طموح جماعي يربط الحاضر بالمستقبل. إن الإنسان ليس مجرد كائن استهلاكي يعيش في اللحظة الصفر، بل هو حامل لذاكرة وآمال. وحين يُنزع من الإنسان أمله وذاكرته، يتحول إلى آلة فاقدة للانتماء.
الإنسان حامل لذاكرة تسكنه، وإن ضاعت منه هام على وجهه من غير هُدى. وهذا ما تذهل عنه مرجعية السوق، ولا تستطيع المقاربات التكنوقراطية- أيا كانت- أن تحيط به
النخبة والقدوة: الطريق إلى التغيير
يؤكد المقال أن الخروج من مأزق التفاهة واهتزاز القيم يتطلب إعادة الاعتبار للأسرة والتربية، ليس كمتون قانونية، بل كظواهر أنثروبولوجية. إن النخبة الحقيقية لا تقاس بتصدر واجهات المواقع، بل بقدرتها على تقديم نموذج أخلاقي وقيمي يُحتذى به.
إن المسؤولية تقع على عاتق من يملكون تصوراً للمستقبل، فالقيادة ليست مجرد إدارة تقنية، بل هي إلهام للوجدان الجماعي. وكما يقول البيت الشعري الشهير:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم …. ولا سراة إذا جُهالهم سادوا
النخبة أو الصفوة، ليس أن تتصدر عناصر المواقع، بل أن تكون حاملة لتصور، أو لطموح جماعي وأن تمثل قدوة يُحتذى بها، وذلك من أجل القطع مع اللامعنى.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون


