في قلب المملكة المتحدة، تتفاقم أزمة تكاليف المعيشة لتتحول من مجرد مؤشرات اقتصادية إلى مأساة إنسانية يومية. تعكس قصة دونا أوهارا، البالغة من العمر 54 عاماً، الوجه القاسي لهذه الأزمة؛ فهي أم لأربعة أطفال، تجد نفسها أحياناً عاجزة عن توفير الطعام، وتضطر للجوء إلى بنوك الطعام أو الاستدانة لتغطية نفقاتها الأساسية.
بدأت معاناة أوهارا حينما اضطر ابنها وشريكته لمغادرة المنزل، مما تسبب في فقدان مصدر دخل حيوي كان يساهم في دفع الفواتير. تقول أوهارا: نفسياً، الأمر مرهون بالتوتر، ومحرج للغاية. أكره طلب المساعدة، وأكره استدانة المال.
تتضاعف هذه الضغوط بسبب ظروفها الصحية الصعبة؛ فهي تعاني من سرطان الدم الورم النخاعي المتعدد، وقد أدخلت المستشفى ثلاث مرات منذ أكتوبر الماضي لتلقي مضادات حيوية منقذة للحياة بعد اضطرارها لإيقاف العلاج الكيميائي. وبينما تحاول الصمود، تلوح في الأفق مأساة الإخلاء من منزلها، حيث تعجز عن سداد إيجار يبلغ 2500 جنيه إسترليني، في حين لا تغطي إعانات الإسكان سوى 1800 جنيه فقط.
عوامل هيكلية مدمرة
تشهد المملكة المتحدة أزمة معيشية حادة منذ أواخر عام 2021، مدفوعة بتداعيات الجائحة وارتفاع أسعار الطاقة. غير أن الخبراء يشيرون إلى أن الجذور أعمق، وتعود لأكثر من عقد من سياسات التقشف وضعف نمو الأجور.
وفي هذا السياق، يسعى رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بورنهام إلى طرح خطة تستمر 10 سنوات، تركز على توسيع الإسكان الاجتماعي، وإصلاح نظام الائتمان الشامل (Universal Credit)، والاستثمار في الاقتصادات المحلية.
أرقام صادمة وتحديات مستمرة
تشير بيانات مؤسسة جوزيف راونتري إلى أن نحو 7.4 مليون أسرة ذات دخل منخفض لم تتمكن من تحمل تكاليف بند أساسي واحد على الأقل خلال الأشهر الستة الماضية. ويؤكد سام تيمز، المحلل الرئيسي في المؤسسة، أن معدل الدعم الأساسي للائتمان الشامل أصبح الآن أقل مما كان عليه قبل عقد من الزمن.
من جانبه، يرى آدم لانغ، مدير السياسات في كارنيجي المملكة المتحدة، أن استطلاعات الرأي تظهر عدم وجود تحسن حقيقي في مستويات المعيشة على مدى السنوات الثلاث الماضية، محذراً من أن الحياة أصبحت صعبة للغاية بالنسبة للكثيرين.
وتؤكد إيفلين هندرسون-تشايلد، الباحثة في مركز الاقتصاد المحلي (CLES)، أن التركيز على أرقام الناتج المحلي الإجمالي قد يكون مضللاً، قائلة: الناتج المحلي الإجمالي قد يرتفع بينما تتآكل ظروف الحياة الأساسية، ومرونة المجتمع، والاستقرار المالي للأفراد. وتدعو هندرسون إلى إعادة هيكلة النظام الاقتصادي لضمان توزيع الفوائد الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكثر عدالة بدلاً من الاكتفاء بسياسات ترقيع الفقر بعد وقوعه.
بالنسبة لدونا أوهارا، تظل هذه النقاشات الاقتصادية بعيدة عن واقعها المرير، حيث تقول بمرارة: حاول أن تعيش بميزانية محدودة عندما تضطر لحساب كل قرش لشراء رغيف خبز. ليس خطئي أنني أصبت بالسرطان ولا أستطيع العمل. الحياة لا ينبغي أن تكون هكذا.


