في قلب الدمار الذي خلفه القصف في خانيونس، يجلس أحمد حاتم المحابيل، البالغ من العمر 16 عاماً، متمسكاً بيديه تحت ذقنه؛ وهي حركة تكرارية يلجأ إليها لتهدئة جهازه العصبي في محاولة للهروب من ذكريات دوي الانفجارات. أحمد، الذي يعاني من اضطراب طيف التوحد، فقد كل ما كان يمثل عالمه الصغير: غرفته، مدرسته، وأكاديمية الرياضة التي كان يتدرب فيها، بعد أن طالتها آلة الحرب التي دمرت مساحات شاسعة من القطاع.
قبل اندلاع الحرب، كان أحمد يحقق تقدماً ملحوظاً في دراسته تحت إشراف متخصصين، وكان يمارس حياته بنشاط. لكن الواقع اليوم تغير جذرياً، حيث تسببت الحرب في انهيار المنظومات الداعمة التي يحتاجها أمثاله. تقول والدته، أم أحمد: أحمد كان يذهب للمسجد والنادي بمفرده، لكن الحرب دمرت كل ما بنيناه. هو يعاني من حساسية مفرطة تجاه الضجيج؛ ومع كل انفجار يدخل في نوبة هلع شديدة، ويقوم بإيذاء نفسه هرباً من الصوت.
القصف والانهيار السلوكي
يؤكد المتخصصون أن القصف المستمر يشكل تهديداً مباشراً للجهاز العصبي للأطفال المصابين بالتوحد. يوضح الأخصائي النفسي ضياء أبو عون، الذي تابع حالة أحمد: الطفل المصاب بالتوحد يعتمد كلياً على الروتين والهدوء ليشعر بالأمان. عندما يُجبر على العيش في خيمة وسط الانفجارات، يتلقى دماغه صدمة حسية لا يمكنه معالجتها، مما يؤدي إلى نوبات أرق وهلع وصراخ مستمر.
وفي مخيم النصيرات، يعيش منير الحاج، البالغ من العمر 19 عاماً، معاناة مشابهة. فمع انقطاع الأدوية والمهدئات نتيجة الحصار، تراجعت حالته بشكل حاد. يقول والده: كان منير يعبر عن نفسه بوضوح من خلال الرسم والتواصل، لكن الحرب سلبت منه مساحته الآمنة. اليوم يسأل أسئلة لا نملك لها إجابة، ويعبر عن ألمه بكلمات تقطر وجعاً: أنا بلا مأوى وبلا وطن.
أزمة نقص الأدوية وتفكك الرعاية
تشير التقارير إلى أن الانقطاع المفاجئ للأدوية النفسية والمضادة للتشنجات تسبب في ارتداد عصبي حاد لدى هؤلاء الأطفال. وبحسب منظمة الصحة العالمية، لم تدخل أي معدات تأهيل إلى غزة منذ مايو 2024، كما تعرضت مراكز متخصصة للتدمير، مما وضع العبء الأكبر على عاتق الأهالي.
من جانبها، تحذر ريم جارور، مسؤولة برامج التوحد في جمعية الدلافين، من أن الروتين هو صمام الأمان العصبي لهؤلاء الأطفال، وأن ما يحدث في غزة هو تدمير كامل للأسس السلوكية التي بُنيت على مدار سنوات، مما أدى إلى تراجع كبير في المهارات اللغوية والاجتماعية.


