تداخل الأزمات: المناخ كمضاعف للصراع
لا تنظر دراسة الباحث النيجيري حكيم أَلَادَيْ نجم الدين إلى الجفاف والتصحر والهجرة في الساحل وغرب أفريقيا باعتبارها أزمات بيئية وإنسانية منفصلة عن الصراع، وإنما كعوامل تتداخل مع هشاشة الحكم والفقر والتنافس على الموارد، مما يضاعف احتمالات العنف ويوسع المساحات التي تتحرك داخلها الجماعات المسلحة. فالمناخ وفق هذا التصور يعيد تشكيل البيئة التي ينشأ فيها الصراع، ويدفع السكان إلى النزوح بحثاً عن مقومات البقاء، مما يحول الاحتكاكات المحلية إلى أزمات أمنية هيكلية.
الجفاف والتصحر.. الأرض تضيق بسكانها
لم يعد الجفاف مجرد موسم شحيح الأمطار، بل تحول إلى ظاهرة متكررة تضغط على شرياني الحياة في المنطقة: الزراعة والرعي. وتشير النماذج المناخية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في الساحل يتقدم بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، مما يؤدي إلى بدايات خاطئة ونهايات مبكرة لمواسم الأمطار، تتبعها أحياناً أمطار عنيفة تسبب فيضانات تجرف التربة السطحية بدلاً من ريها.
هذا التدهور البيئي أدى إلى انحسار الأراضي الصالحة للزراعة والمراعي، مما أجبر المجتمعات -التي كانت تعيش في توازن عرفي- على التنافس على المساحات المحدودة والموارد المائية الشحيحة، مثل حوض بحيرة تشاد، مما أدى لانهيار علاقات التعاون التاريخية بين المزارعين والرعاة.
حين يغير الرعاة طريقهم
أدى جفاف المراعي في الشمال إلى دفع الرعاة نحو المناطق الزراعية الجنوبية في توقيتات غير معتادة، مما حول الهجرة من أداة تكيف موسمية إلى نزوح دائم. هذا التدفق السكاني، المتزامن مع أزمة أمنية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، أفرز نزوح أكثر من 3.44 ملايين شخص، مما خلق ضغوطاً هائلة على المدن التي استقبلت هؤلاء النازحين، محولةً إياها إلى مراكز حرمان قابلة للاشتعال الاجتماعي.
الجماعات المسلحة تدخل على خط الماء والأرض
تستغل التنظيمات المسلحة مثل نصرة الإسلام والمسلمين وداعش في الساحل الفراغ الذي تتركه الدولة في إدارة الموارد. ففي المناطق التي انهارت فيها سبل العيش، تقدم هذه الجماعات نفسها كبديل يوفر الحماية أو يدير الوصول إلى المياه والأرض، بل وتستثمر في صدامات الرعاة والمزارعين عبر تنصيب نفسها حامياً لفئة ضد أخرى، مما يحول النزاعات الزراعية إلى جبهات صراع إثني أو ديني.
تخلص الدراسة إلى أن معالجة الصراع في الساحل عبر الأداة العسكرية وحدها لن تنجح ما دامت الظروف البيئية والاقتصادية التي تغذي هذا العنف قائمة. فالهجرة وتدهور الموارد وضعف الحوكمة يظلون المحرك الأساسي الذي يمنح الجماعات المسلحة القدرة على التجنيد والبقاء.


