في ظل السجال الديني والاجتماعي المحتدم على منصات التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة الملحة لاستدعاء فكر الدكتور وليم سليمان قلادة (1924-1999)، المفكر الذي كرس حياته لترسيخ مفاهيم الوحدة الوطنية والحوار بين الأديان وربط المواطنة بالانحياز لقضايا الوطن والأمة.
رؤية استشرافية للوحدة الوطنية
لم تكن أفكار قلادة مجرد تنظيرات أكاديمية، بل كانت نابعة من إيمان عميق بـمشروع وطني يجمع المسلمين والمسيحيين في مواجهة التحديات الخارجية، كالصهيونية والتبعية الاقتصادية. وقد لخص رؤيته في كتابه الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار والصهيونية بقوله: أصبح من المحتم أن يتلاقى الشيخ والكاهن على أرض المحبة التي صاغها شعبنا.
لم يكتف قلادة بتقديم رؤية نظرية حول المواطنة تعتمد على تأويل ديني، أو استقراء تاريخي، إنما وضع عدة إجراءات لينقلها مع التنظير إلى التدبير، ومن الينبغيات إلى التصرفات.
أعمدة المواطنة عند قلادة
عرّف قلادة المواطنة بأنها وعي الإنسان بأنه عضو أصيل وفاعل في الحياة العامة، وحدد لها سبعة أعمدة متداخلة: الجغرافيا، البشر، المشروع الوطني، الدولة، الحضارة المصرية، التعددية الدينية، ومسار التاريخ. ومن أجل تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، اقترح خمسة إجراءات عملية:
- حضور المرحلة القبطية في مناهج التعليم التاريخي كحلقة وصل حضارية.
- تعزيز ثقافة المواطنة عبر وسائل الإعلام والمنابر الثقافية.
- إدراج مفاهيم المواطنة ضمن برامج إعداد القادة الإداريين.
- تفعيل دور الأحزاب السياسية في إعداد كوادر مؤمنة بالمواطنة.
- إقرار قواعد عادلة ومنظمة لبناء دور العبادة لمنع الاحتقان الطائفي.
فلسفة العقاب والحقوق الإنسانية
تجاوز فكر قلادة النطاق الديني إلى الحقوق المدنية والإنسانية؛ حيث نجح في تقديم مشروع قانوني لإلغاء عقوبة تكبيل أيدي وأقدام السجناء، انطلاقاً من فلسفة وطنية ترى أن السجن يجب أن يكون فرصة للإصلاح وليس أداة للانتقام، مؤكداً أن معاملة المذنب يجب أن تصان من المبالغة في الإيلام.
الحوار والتحيز للقضايا القومية
آمن قلادة بضرورة الحوار كقاعدة أساسية للتعايش، واضعاً أربعة شروط له: فهم الآخر كما يفهم نفسه، حرية التعبير عن الذات، الإيمان بمرجعية إلهية تهتم بالبشر كافة، والتطبيق العملي للمبادئ. وقد ترجم ذلك بتأسيس الجمعية المصرية للوحدة الوطنية ومشاركته الفاعلة في مؤتمرات دولية دافع فيها عن عروبة القضية الفلسطينية.
لم يقف قلادة عند حدود شعار أو إهداء، إنما ترجم ما يقتنع به في الواقع العملي، فنراه ينتقد ما يسمى اللاهوت الإمبراطوري الذي يبرر الاستعمار، ويتصدى للتدخلات الخارجية في شؤون مصر.
وفي مواقفه السياسية، رفض قلادة أي محاولات لتصوير الأقباط كـأقلية أو طابور خامس للغرب، مؤكداً أن حركتهم يجب أن تظل دوماً في فلك الوطنية المصرية، وهو ما جعل المفكر طارق البشري يصفه بأنه رجل مهموم بوطنه، كرس قدراته لدرء أي تعارض بين الانتماء الديني والوطني.
اليوم، وبعد عقود من رحيله، تظل دعوة تلميذه سمير مرقس حية: ما أحوجنا إلى تكوين ذاكرة تاريخية وطنية واحدة، ينعقد حولها إجماع قومي، وهو ما يجد في منجز وليم سليمان قلادة رافعة فكرية قوية لمواجهة تحديات المواطنة والسيادة في عالمنا المعاصر.


