باتت المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تمثل الاختبار الأبرز لمصداقية الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، ومدى جدية التزامهم بإنهاء الصراع والوصول إلى حل مستدام. ففي ظل الانتهاكات المستمرة التي بلغت ذروتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يواجه صناع القرار الأوروبيون تساؤلاً وجودياً حول مدى تمسكهم بـ حل الدولتين الذي يروجون له، والذي يستوجب بالضرورة إنهاء الاحتلال بكافة ممارساته.
تقرير 2025: توثيق لمشروع الضم
تكتسب هذه القضية إلحاحاً جديداً في ضوء التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن هيئة العمل الخارجي الأوروبي (EEAS) في 17 يوليو 2026. يقدم التقرير أدلة دامغة على أن بناء المستوطنات ليس مجرد توسع ديموغرافي، بل جزء من مشروع سياسي إسرائيلي متكامل يهدف إلى:
- شرعنة البؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي.
- تعزيز عنف المستوطنين وتغيير الأنظمة الإدارية.
- خلق واقع يمهد للضم الفعلي ويقضي على فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى تصعيد غير مسبوق؛ حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية خلال عام 2025 وحده على 54 مستوطنة جديدة و86 بؤرة استيطانية، مع خطط لبناء أكثر من 63 ألف وحدة سكنية، وهو ما يتجاوز ضعف الأرقام المسجلة في عام 2023.
قصور الرد الأوروبي
على الرغم من إدراك المسؤولين الأوروبيين لحجم هذه الانتهاكات التي تهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية، لا تزال الاستجابة الأوروبية غير متناسبة مع حجم العدوان. فبينما فرض الاتحاد الأوروبي في مايو 2026 عقوبات محدودة على بعض الأفراد والكيانات، وبدأت دول مثل أيرلندا وبلجيكا وهولندا في اتخاذ إجراءات وطنية لحظر منتجات المستوطنات، يظل هذا التحرك في نظر المراقبين إدارة للأزمة لا حلاً لها.
أدوات ضغط معطلة
يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات تأثير قوية لم يستخدمها بعد، وعلى رأسها اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، التي تنص في مادتها الثانية على أن العلاقات مبنية على احترام حقوق الإنسان. ويمكن لأوروبا تفعيل هذه الاتفاقية من خلال:
- فرض حظر موحد على التجارة مع المستوطنات.
- توسيع العقوبات لتشمل ممولي ومديري البؤر الاستيطانية.
- ربط الامتيازات الممنوحة لإسرائيل بمعايير واضحة لوقف التوسع الاستيطاني والعنف والتهجير القسري.
المسؤولية الفلسطينية الموازية
لا يعفي قصور الموقف الأوروبي الأطراف الفلسطينية من مسؤولياتها. فمواجهة مشروع الضم تتطلب استراتيجية وطنية موحدة تربط المقاومة بالعمل السياسي والدبلوماسي. إن وجود ما لا يقل عن 800 ألف فلسطيني في أوروبا يمنح فرصة ذهبية لبناء قاعدة ضغط شعبية فعالة، بشرط وجود قيادة فلسطينية ممثلة وموحدة، قادرة على استثمار التغير في الرأي العام العالمي والحراك الشعبي الذي تجسد في جمع 1.3 مليون توقيع ضمن المبادرة الأوروبية للمواطنين للمطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل.
إن إنهاء الاحتلال يتطلب تجاوز حالة الانقسام الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون قادرة على ترجمة التقارير الدولية والتحولات السياسية إلى مكاسب ملموسة، تخدم قضية التحرر وتقرير المصير.


