تحول تاريخي في موازين القوى داخل الكونغرس
شهدت أروقة الكونغرس الأمريكي مؤخراً تحولاً لافتاً، حيث صوت أكثر من 100 نائب ديمقراطي لصالح مقترح يهدف إلى قطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل. ورغم فشل التعديل في تمريره، إلا أنه كشف عن تصدع عميق في الإجماع الحزبي الذي طالما وفر لإسرائيل حماية من أي تدقيق برلماني لعقود طويلة.
لقد كانت المساعدات العسكرية للجيش الإسرائيلي لعقود طويلة واحدة من أكثر التزامات واشنطن قدسية، ومدعومة من الحزبين والجماعات الضاغطة والمؤسسة السياسية الخارجية. لكن هذا الثبات بدأ يتلاشى، وهو ما تجسد بوضوح في موقف رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، التي انضمت إلى صفوف المطالبين بإنهاء المساعدات العسكرية، مؤكدة أن المزاج العام داخل الحزب الديمقراطي قد تغير جذرياً.
غزة كمنعطف سياسي حاسم
لم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل تراكمت أسبابه عبر سنوات من التوسع الاستيطاني وانهيار عملية السلام. ومع ذلك، شكلت الحرب على غزة نقطة التحول الحاسمة، حيث تحولت إسرائيل في نظر الكثير من الديمقراطيين من حليف لا غنى عنه إلى عبء سياسي وأخلاقي. إن المشاهد المروعة للدمار ومعاناة المدنيين، التي نُقلت لحظة بلحظة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حولت القلق الصامت إلى مطالب علنية بالمحاسبة.
من الجامعات إلى مراكز صنع القرار
انطلقت شرارة هذا التغيير من الجامعات الأمريكية، حيث قاد الطلاب حراكاً احتجاجياً واسعاً تحدى الأفكار الراسخة بشأن إسرائيل. ورداً على ذلك، اختارت المؤسسة الديمقراطية المواجهة بدلاً من الحوار، مما أدى إلى حملات قمع ضد المتظاهرين السلميين، وهو ما زاد من اتساع الفجوة بين القيادة الحزبية والقاعدة الشعبية الشابة، وأثر بشكل مباشر على نتائج الانتخابات الأخيرة.
أصبح التشكيك في السياسات الإسرائيلية اليوم ورقة رابحة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، حيث فاز مرشحون تقدميون بعد تبنيهم مواقف صريحة ترفض المساعدات غير المشروطة وتطالب باحترام القانون الدولي.
مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
إن النتيجة الحالية هي إعادة تموضع سياسي هي الأهم منذ جيل. صحيح أن الكونغرس لا يزال يمتلك الأصوات اللازمة للحفاظ على المساعدات العسكرية، لكن الإجماع الذي كان يجعل هذا الدعم تلقائياً وغير قابل للنقاش قد انتهى.
بالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا التحول تحدياً استراتيجياً غير مسبوق. فإذا استمر تآكل هذا الإجماع، فقد تجد الحكومات الإسرائيلية المستقبلية نفسها أمام واقع جديد، حيث تصبح المساعدات الأمريكية مشروطة بمعايير تتعلق بحماية المدنيين، ووقف الاستيطان، والامتثال للقانون الدولي. إن القواعد السياسية التي بُنيت عليها العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بدأت تنهار، وهي عملية قد تتسارع وتيرتها بشكل أسرع بكثير مما كان متوقعاً.


