تُسوق كرة القدم عالمياً على أنها الرياضة الأكثر ديمقراطية؛ حيث تتساوى الفرص في الملعب بين أحد عشر لاعباً في مواجهة نظرائهم، في محاولة لمنح الشعوب أملاً بأن الموهبة قادرة على إسقاط التاريخ والمال. ومع ذلك، يطرح الواقع الحالي تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المنظومة القانونية والتنظيمية لـ الفيفا تخلق بيئة غير متكافئة تخدم القوى الكروية الكبرى تحت غطاء القواعد المحايدة.
تُعد مباراة مصر والأرجنتين الأخيرة نموذجاً لهذا الجدل؛ إذ لم تكن مجرد مواجهة رياضية، بل كشفت عن إشكالات تتعلق بقرارات التحكيم، وتقنية الفيديو، والقدرات المؤسسية للمنتخبات الصاعدة في مواجهة العلامات الكروية العالمية.
أولاً: البنية القانونية والاقتصادية وتكريس الهيمنة
تضمن إجراءات الفيفا، مثل تصنيف المنتخبات ونظام القرعة، مسارات أكثر استقراراً للقوى الكبرى، مما يؤجل مواجهاتها المباشرة ويحمي مصالحها التجارية والإعلامية. ومع توسيع كأس العالم ليشمل 48 منتخباً، تزداد تعقيدات المسارات الإقصائية، وهي تعقيدات تجيد المنتخبات الكبرى التعامل معها بفضل خبراتها المؤسسية، بينما تشكل عبئاً إضافياً على المنتخبات الصاعدة.
إلى جانب ذلك، تساهم التوزيعات المالية المتزايدة في تعزيز الفوارق؛ حيث تحصل المنتخبات المتقدمة على عوائد ومكاسب إعلامية تضمن استمرار تفوقها، مما يجعل العدالة الهيكلية مطلباً ملحاً بقدر أهمية العدالة داخل المستطيل الأخضر.
ثانياً: العدالة التحكيمية والسلطة التقديرية
أثارت انتقادات المدرب حسام حسن لقرارات التحكيم في مباراة الأرجنتين تساؤلات حول بروتوكول الفيفا لتقنية الفيديو (VAR). ورغم أن التقنية قُدمت لتعزيز العدالة، إلا أنها منحت مساحة واسعة للسلطة التقديرية، مع تحصين قرارات الحكم وحمايتها من الإبطال حتى في حالات الخطأ التقني أو التقديري.
ثالثاً: غياب القضاء الرياضي المستعجل
يفتقر النظام القانوني الحالي لـ الفيفا إلى آليات تظلم فعالة وسريعة للمباريات ذات الأثر الحاسم. فمحكمة التحكيم الرياضي (CAS)، رغم وجود شعبة مستعجلة لها، تظل مقيدة بالإجراءات الداخلية، مما يجعل معظم القرارات التحكيمية بمنأى عن المراجعة القضائية، ويترك الفريق المتضرر بلا وسائل انتصاف حقيقية أمام ضرر رياضي غير قابل للإصلاح.
رابعاً: نحو منظومة أكثر عدلاً
تتجه المطالبات القانونية نحو إنشاء غرفة مراجعة رياضية عاجلة تختص بالنظر في الحالات الاستثنائية خلال ساعات قليلة، مع صلاحيات لإصدار تفسيرات ملزمة أو حتى التوصية بإعادة المباريات في حال ثبوت خطأ جسيم ومؤثر. إن الهدف ليس تقويض سلطة الحكم، بل تحقيق توازن بين نهائية القرار وبين العدالة الرياضية.
ختاماً، تضع مباراة مصر والأرجنتين الفيفا أمام تحدٍ وجودي؛ فإما تطوير المنظومة القانونية لضمان تكافؤ الفرص والشفافية في استخدام التكنولوجيا، أو المخاطرة بفقدان الثقة في عدالة البطولة التي يتابعها الملايين، حيث لم تعد المنافسة مجرد مهارة كروية، بل صراعاً للبقاء داخل نظام يحتاج إلى مراجعة شاملة لقواعده.


