تضع محاكمة أحمد بدر الدين حسون، المفتي السابق للنظام السوري، أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، القضاء السوري أمام اختبار مفاهيمي وقانوني غير مسبوق: كيف يمكن تقييم المسؤولية الجنائية لمن يضفون الشرعية على العنف دون أن يكونوا منفذين مباشرين له؟
تتجاوز هذه القضية النماذج التقليدية للمساءلة التي تركز عادة على الجندي الذي يطلق النار أو القائد الذي يصدر الأوامر العسكرية، لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول دور السلطة الخطابية في تشكيل بيئة الفظائع.
النموذج القياسي للمساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يركز على المنفذ: الجندي الذي يطلق النار، والمحقق الذي يمارس التعذيب، والقائد الذي يصدر الأوامر.
جدلية المسؤولية والتحريض
انطلقت الجلسة الأولى للمحاكمة في 25 يونيو/حزيران 2026، حيث استندت لائحة الاتهام إلى نظرية قانونية ترى أن نظام الفظائع لا يكتمل إلا بوجود من يمنح الغطاء الشرعي للعنف، ويعبئ المرتكبين عبر استغلال المناصب الدينية والمؤسسية.
وتدعي لائحة الاتهام أن حسون استغل منصبه كـ مفتي للجمهورية لإلقاء محاضرات أمام أجهزة أمنية وعسكرية، وإطلاق تصريحات علنية استهدفت مدنيين في حلب وإدلب، بالإضافة إلى ثنائه على قوى أجنبية شاركت في العمليات العسكرية.
تحديات التكييف القانوني
يواجه الادعاء صعوبة فقهية في تكييف هذه الأفعال؛ فبينما يجرم نظام روما الأساسي التحريض المباشر في حالات الإبادة الجماعية، يظل التعامل مع التحريض في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أكثر تعقيداً، حيث لا يُعد مساراً مستقلاً للمسؤولية بذاته.
المحكمة السورية إذا اكتفت بالقول إن حسون حرض على الفظائع، تكون قد قالت أقل مما يلزم. فعليها أن تحدد ما إذا كانت تستند إلى جرائم التحريض الداخلية بموجب قانون العقوبات السوري فقط، أم إلى أنماط المشاركة الدولية في جرائم الفظائع.
ويشير الخبراء القانونيون إلى أن المحكمة مطالبة بتحديد ما إذا كانت هذه الأفعال ترقى إلى المشاركة الجنائية أم تظل مجرد دعم سياسي. فالإفراط في توسيع نطاق السببية قد يضعف الحكم، إذ تتطلب المسؤولية الجنائية الفردية ربط كل فعل خطابي بتهمة محددة، وجمهور معين، ونمط إجرامي ملموس.
اختبار العدالة
إن الخطاب الموجه إلى فاعلين مسلحين خلال فترات الصراع يكتسب وزناً قانونياً يختلف عن الخطاب الموجه للجمهور العام. فالسلطة المؤسسية للمفتي تعمل كـ عامل مضاعف في الإثبات، حيث يُنظر إلى كلماته بوصفها إذناً أو تشجيعاً ممنهجاً.
ستظل المحاكمة تحت مجهر التدقيق القانوني، حيث لن يقاس نجاحها بالإدانة السياسية، بل بقدرة المحكمة على إصدار حكم معلل يميز بدقة بين التحريض الداخلي والمشاركة الدولية، ويؤسس لسابقة قضائية تتعلق بمسؤولية الفاعل غير التنفيذي داخل أنظمة القمع.


