في واحدة من أكثر القضايا إثارة في علم الفلك الحديث، لا يزال سؤال الفيزيائي إنريكو فيرمي الذي طرحه عام 1950 يتردد صداه: إذا كان الكون مليئاً بالكواكب القابلة للحياة، فأين الجميع؟. اليوم، تقترح دراسة علمية جديدة أن المشكلة قد لا تكمن في غياب الحضارات الذكية، بل في فشلنا في رصد إشاراتها بسبب تشوهات كونية غير متوقعة.
فقد توصل باحثون من معهد سيتي (SETI Institute) للبحث عن الذكاء خارج الأرض إلى أن الإشارات الراديوية الصادرة عن حضارات فضائية قد تتعرض للتشويه والتمدد بفعل طقس الفضاء المحيط بنجومها، ما يجعلها غير مرئية لأجهزة الرصد الحالية على الأرض.
إشارات قد تكون موجودة بالفعل
يعتمد علماء الفلك منذ عقود على البحث عن الإشارات الراديوية ضيقة النطاق، وهي إشارات شديدة التركيز تظهر كقمم حادة في الطيف الراديوي ولا تنتجها العمليات الطبيعية. ويؤكد الخبراء أن رصد مثل هذه الإشارات سيكون دليلاً قاطعاً على وجود مصدر صناعي ذكي.
ورغم أن العلماء يضربون مثالاً بالمركبات الجوالة على المريخ التي يمكن تمييز إشاراتها بسهولة بسبب بصمتها الصناعية، إلا أن البحث عن إشارات غير بشرية لم يسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة.
طقس النجوم: حاجز أمام الاكتشاف
تشير الدراسة المنشورة في مجلة الفيزياء الفلكية إلى أن البيئة المحيطة بالنجوم تلعب دوراً محورياً في حجب هذه الإشارات. ويُقصد بطقس الفضاء تدفقات الجسيمات المشحونة والإشعاعات والانبعاثات البلازمية التي تطلقها النجوم، والتي تعمل كـ مرشح طبيعي يغير خصائص الإشارات المارة عبره.
وقاد الدراسة الفلكي فيشال غاجار بالتعاون مع الباحثة غرايس براون، حيث قاما بمحاكاة تأثير طقس الفضاء على الاتصالات التاريخية بين الأرض ومركبات فضائية مثل مارينر 4 وفايكنغ، لاستنتاج ما يحدث لإشارة صادرة من حضارة متقدمة.
هل نبحث عن الشكل الخطأ؟
أظهرت النتائج أن الإشارة الراديوية قد تبدأ كنبضة حادة وواضحة، لكنها تتمدد وتنتشر عبر نطاق أوسع من الترددات أثناء مرورها عبر البلازما النجمية. هذا التمدد يؤدي إلى توزيع طاقة الإشارة، مما يجعلها تبدو أضعف بكثير وتغرق تحت ضجيج الخلفية الكونية.
يقول فيشال غاجار: إذا تعرضت الإشارة للتشويه بسبب البيئة المحيطة بنجمها، فقد تنخفض إلى ما دون عتبة الكشف لدينا رغم أنها موجودة بالفعل. وهذا يعني أننا قد نكون نبحث عن إشارات حادة بينما تصلنا في الواقع بصيغة أعرض وأكثر انتشاراً.
الأقزام الحمراء: الهدف القادم
ركز الباحثون بشكل خاص على الأقزام الحمراء، وهي أكثر أنواع النجوم انتشاراً في مجرتنا. ونظراً لقدم عمر العديد منها، يعتقد العلماء أن الكواكب التابعة لها قد تمتلك تاريخاً طويلاً يسمح بتطور حضارات تقنية. ويفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تطوير خوارزميات جديدة قادرة على رصد الإشارات المشوهة بدلاً من الاكتفاء بالبحث عن الإشارات الضيقة التقليدية.


