بينما تضج الملاعب الأمريكية والمكسيكية والكندية بأصوات الجماهير في كأس العالم 2026، يغيب الآتزوري عن المشهد للمرة الثالثة على التوالي، في حالة من الغياب الباهت الذي يرفض العقل الكروي استيعابه لمنتخب تُوج باللقب أربع مرات في تاريخه.
يقف المنتخب الإيطالي اليوم على الرصيف، يراقب حافلة المونديال وهي تمضي بدونه، في مفارقة جغرافية لافتة؛ فالولايات المتحدة التي تحتضن النسخة الحالية، هي ذاتها الأرض التي شهدت ولادة الشغف الإيطالي العابر للقارات في تسعينيات القرن الماضي.
بالنسبة لجيل الثمانينيات والتسعينيات، لم يكن تشجيع إيطاليا مجرد خيار رياضي، بل كان حالة عاطفية مرتبطة بأسطورة الدفاع الحديدي (الكاتيناتشو) والروح القتالية التي تمزج بين الأناقة والخشونة. كانت المباراة النهائية لمونديال 1994 لحظة فارقة حين وقف روبرتو باجيو أمام نقطة الجزاء، ومن قلب ذلك الانكسار التراجيدي، وُلد عشق جارف لقميص الآتزوري الأزرق.
فجوة الأجيال: الآتزوري كأساطير غابرة
هذا الرصيد العاطفي يواجه اليوم تحدياً مع جيل زد، الذي يرى المنتخب الإيطالي كأساطير روما والإغريق؛ حكايات غابرة عن أمجاد لم يشهدوها قط. ففي نظر شاب وُلد في منتصف الألفية، بات المنتخب الإيطالي كياناً يعيش على النوستالجيا أكثر مما يعيش في الحاضر، لا سيما بعد غيابه عن نسخ 2018، 2022، و2026.
إرث النجوم: من الذهب الخالص إلى مقاعد المتفرجين
تاريخ إيطاليا في كأس العالم ليس مجرد أرقام، بل هو عمود فقري لقصة كرة القدم؛ فهي صاحبة الألقاب الأربعة (1934، 1938، 1982، 2006). لقد كان المنتخب مصنعاً لعباقرة غيروا مفاهيم اللعبة، من دينو زوف وبوفون في الحراسة، إلى باريزي ومالديني وكانافارو في الدفاع، وصولاً إلى توتي وباجيو في الهجوم.
صدمة الغياب: 16 عاماً من الفراغ
إذا نجحت إيطاليا في التأهل لمونديال 2030، فإنها ستدخل البطولة كوافد جديد يفتقر للخبرة التراكمية، إذ يمتلك المنتخب الحالي صفراً في خانة الخبرة المونديالية. وبحسبة بسيطة، فإن الغياب المتواصل لـ 16 عاماً (منذ 2014) يوازي مسيرة مهنية كاملة للاعب كرة القدم، مما يعني حرمان جيل كامل من المواهب من عيش التجربة الأكبر.
أزمة هيكلية لا مجرد تعثر
يرى المراقبون أن إخفاق إيطاليا نتاج أزمة هيكلية عميقة؛ حيث تراجعت فرص المواهب المحلية في الدوري الإيطالي أمام الاعتماد على اللاعبين الأجانب، مع شح في مركز المهاجم الصريح، وبطء في منظومة الوسط.
وفي هذا الصدد، قال لوتشانو سباليتي، المدير الفني للمنتخب: الجمهور الإيطالي لا يستحق هذه المعاناة. الغياب عن كأس العالم لثلاث مرات متتالية فشل لا يمكن التغطية عليه بالأعذار. علينا بناء جيل جديد من الصفر.
وبالرغم من تسريب تقارير عن عرض سياسي غير رسمي قُدم لإيطاليا لاستبدال مقعد منتخب آخر في مونديال 2026، إلا أن الاتحاد الإيطالي تمسك بكبريائه، مؤكداً أن التواجد في المحفل العالمي يجب أن يأتي عبر المستطيل الأخضر، مفضلاً مرارة الغياب على الصعود بقرار سياسي.


