تعد روسيا موطناً لتنوع قومي ولغوي مذهل، حيث تحتضن أراضيها لغات تصنف ضمن الأكثر تعقيداً في العالم، وأخرى تواجه تحديات وجودية في ظل الانفتاح على العصر الرقمي والسياسات التعليمية الجديدة.
لغات تتحدى المنطق
بعيداً عن تعقيدات اللغة الروسية، تبرز لغات مثل التاباساران التي يتحدث بها 150 ألف شخص في جمهورية داغستان، والتي تثير دهشة اللغويين باحتوائها على ما بين 44 و46 حالة إعرابية. ولا يقل المشهد غرابة في جمهورية قراتشاي-تشيركيسيا، حيث يتحدث شعب الأبازين لغة تعتمد أبجديتها على 71 حرفاً، يغلب عليها الأصوات الساكنة والصفير، مما يجعل تعلمها ذاتياً أمراً بالغ الصعوبة.
وفي أقصى الشرق الروسي، يربط شعب الإسكيمو في تشوكوتكا بين أساطيرهم القديمة والتكنولوجيا المعاصرة عبر لغتهم الفريدة؛ إذ يطلقون على الإنترنت مصطلح إيكياكيفيك، الذي يعني حرفياً الرحلة عبر طبقات متعددة، في انعكاس لثقافتهم التي تعتمد على 63 صيغة فعلية.
مأزق الانقراض والوحدة الوطنية
على الرغم من أن الدستور الروسي (المادة 68) يمنح الجمهوريات الحق في تحديد لغاتها الرسمية، إلا أن الواقع يشير إلى تراجع استخدام لغات الأقليات أمام سطوة اللغة الروسية والإنجليزية. فوفقاً لتعداد عام 2010، جاءت الإنجليزية في المرتبة الثانية بعد الروسية بنسبة انتشار بلغت 5.48%، بينما لم تتجاوز كبرى لغات الأقليات، كالتتارية، حاجز الـ 3%.
ويحذر سيرغي تاتيفوسوف، رئيس قسم اللغويات في جامعة موسكو الحكومية، من أن ميل أبناء الأقليات في المدن الكبرى إلى التخلي عن لغاتهم الأم سعياً للترقي الاجتماعي يهدد النسيج الثقافي الروسي، مؤكداً أن جوهر الثقافة الروسية يكمن في الوحدة والتنوع معاً.
جدل اللغة الأم وقانون 2018
أدى التباين بين الرغبة في الحفاظ على الهوية القومية وبين متطلبات التعليم الرسمي إلى صراعات في بعض المدارس الإقليمية، لا سيما في تتارستان، حيث احتج أولياء الأمور على إلزامية دراسة لغات الأقليات. وقد عزز هذا الموقف تصريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أكد أن إجبار أي طالب على دراسة لغة ليست لغته الأم يعد أمراً غير مقبول.
استجابة لهذه التوترات، أقر مجلس الدوما الروسي في 25 يوليو 2018 قانوناً يتيح مادة اختيارية تحت مسمى اللغة الأم. هذا القانون يمنح الطلاب وأولياء أمورهم حرية الاختيار بين دراسة الروسية أو اللغات القومية كالتتارية أو البورياتية أو التاباسارانية، ليصبح مستقبل هذه اللغات العريقة في نهاية المطاف مرهوناً بمدى رغبة الأقليات القومية في التمسك بها وتوريثها للأجيال القادمة.


