تجري أدوات الذكاء الاصطناعي مئات الملايين من المحادثات يومياً مع المستخدمين حول العالم. وبينما تروج شركات تقنية كبرى مثل أوبن إيه آي وغوغل وأنثروبيك لهذه الأدوات كمرجع معرفي، تبرز إشكالية الهلوسة الرقمية، حيث تقدم هذه النماذج في بعض الأحيان معلومات مغلوطة أو تبتكر حقائق لا أساس لها من الصحة.
ورغم أن نسبة الأخطاء قد تبدو ضئيلة، إلا أن حجم التفاعل الهائل يجعل العدد الفعلي للمحادثات المضللة كبيراً ومثيراً للقلق، خاصة في ظل ثقة المستخدمين المتزايدة؛ إذ تشير إحصاءات شركة يوغوف إلى أن 69% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يثقون في الإجابات التي يتلقونها.
نسبة خطأ صغيرة.. أثر تراكمي كبير
كشفت تقارير صحفية أن ميزة ملخصات البحث المعززة بالذكاء الاصطناعي من غوغل تقدم إجابة خاطئة واحدة بين كل 10 إجابات، مما يضع دقة الأداة عند مستوى 90%. وتزداد الأزمة تعقيداً عند النظر إلى حجم الاستخدام؛ حيث يجري المستخدمون أكثر من 5 تريليونات عملية بحث سنوياً عبر غوغل، بينما تجاوز عدد مستخدمي شات جي بي تي 900 مليون مستخدم أسبوعياً، ينفذون أكثر من 2.5 مليار طلب يومياً.

وتشير الدراسات إلى أن 42% من المستخدمين تلقوا بالفعل إجابات خاطئة، ومع ذلك، لا يزال الجزء الأغلب منهم يفتقر إلى التحقق من المصادر، حيث لا يقوم سوى 18.6% من المستخدمين بالبحث عن مصادر إضافية للتأكد من صحة النتائج.
مأزق القضاء العالمي
تواجه المحاكم العالمية تحديات قانونية غير مسبوقة في تحديد المسؤول عن الإجابات المضللة. ففي حين تنظر شركات التقنية إلى أدواتها كمنصات تلخص المحتوى الموجود على الإنترنت، يرى قانونيون أن غياب الأطر التشريعية الواضحة يفتح الباب أمام نزاعات قضائية معقدة.

وقد ظهر هذا التباين في الأحكام القضائية مؤخراً؛ فبينما أدانت محكمة ميونخ شركة غوغل بسبب اتهام الذكاء الاصطناعي لناشرين كذباً، برأت محكمة في جورجيا شركة أوبن إيه آي من تهمة التشهير في قضية المذيع مارك والترز، معتبرة أن النموذج يفتقر إلى النية في الإساءة.
هل يحاسب الذكاء الاصطناعي نفسه؟
تشير الأبحاث الأكاديمية، بما فيها دراسة قدمت في مؤتمر إيه آي سمارت 2025، إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون متهماً قانونياً لافتقاره إلى الوعي والنية والذمة المالية. وتحذر الدراسات من أن تتحول هذه النماذج إلى كبش فداء تستخدمه الشركات للتهرب من المسؤولية القانونية عن مخرجات أنظمتها.

ومع توجه بعض الدول، مثل إستونيا، نحو منح وكلاء الذكاء الاصطناعي هوية قانونية، يظل العالم في انتظار تشريعات دولية تحسم الجدل حول المسؤولية عن أكاذيب الآلة في عصر يعتمد فيه البشر بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قراراتهم اليومية.


