لم يعد التلفزيون التقليدي يحتكر مشاهدة الأخبار المصورة؛ إذ أعادت الهواتف الذكية والمنصات الاجتماعية وأجهزة التلفزيون المتصلة بالإنترنت تشكيل عادات الجمهور بشكل جذري. لم يتخلَّ المستخدمون عن استهلاك الفيديو، لكنهم باتوا يفضلون مشاهدته عبر منصات مثل يوتيوب، وتيك توك، وإنستغرام، وبصيغ تتجاوز بكثير نمط نشرات البث المعتادة.
ويكشف تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026، الذي أعده الباحث كريغ تي روبرتسون في معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن استهلاك فيديو الأخبار ينتقل بصورة متزايدة من المواقع والتطبيقات الرسمية للمؤسسات الإعلامية إلى منصات الطرف الثالث، وهو تحول يفرض واقعاً جديداً يتطلب إعادة التفكير في استراتيجيات الإنتاج والتوزيع للوصول إلى الأجيال الشابة.
المنصات تستحوذ على المشاهدة
أظهرت الدراسة أن استهلاك فيديو الأخبار عبر الإنترنت يبلغ ذروته في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، مع تسجيل حضور قوي في الأسواق الأوروبية وأمريكا الشمالية. وتتجاوز نسبة مشاهدة فيديو الأخبار أسبوعياً 80% في دول مثل تايلند وإندونيسيا وبيرو وجنوب أفريقيا.
ويربط روبرتسون هذا الارتفاع بالتركيبة السكانية الشابة، وانتشار الهواتف المحمولة، وانخفاض تكلفة البيانات، إضافة إلى خوارزميات التشغيل التلقائي. وفي المقابل، سجلت المؤسسات الإعلامية تراجعاً في زيارات مواقعها وتطبيقاتها المباشرة لصالح المنصات الخارجية، مما يضعف قدرة الناشرين على التحكم في البيانات والإيرادات.
ثلاث منصات.. وثلاثة أنماط للاستهلاك
تؤكد البيانات أن فيديو الأخبار ليس منتجاً واحداً يصلح لكل المنصات. فبينما يحافظ يوتيوب على حضور متوازن عبر الفئات العمرية، يميل تيك توك وإنستغرام بوضوح نحو فئة الشباب.
وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن الشباب يكتفون بالمقاطع القصيرة فقط، كشفت الأرقام أن 35% من مشاهدي أخبار يوتيوب يتابعون فيديوهات تتراوح مدتها بين 6 و20 دقيقة، بل إن المحتوى الطويل يحظى بقبول لافت لدى الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً، مما يشير إلى أن الجمهور يرفض قالب التقرير التلفزيوني التقليدي، لكنه يتقبل المحتوى التفسيري الطويل إذا قُدم في بيئة رقمية مألوفة.
أخبار مقصودة مقابل أخبار عابرة
تختلف طبيعة المنصات في نية الاستخدام؛ إذ يدخل 55% من متابعي الأخبار إلى يوتيوب بقصد البحث عن الخبر، بينما تنقلب المعادلة في تيك توك وإنستغرام، حيث يصادف المستخدم الأخبار عرضاً أثناء تصفح المحتوى الترفيهي. وهذا يفرض على المؤسسات الإعلامية التكيف مع لغة كل منصة لجذب الانتباه في ثوانٍ معدودة.
التلفزيون باقٍ.. لكن بقواعد اللعبة الرقمية
لا يعني تراجع البث الخطي هجر شاشة التلفزيون؛ بل يعني تحولها إلى أداة متصلة بالإنترنت تعتمد على التطبيقات. فالتلفزيون الذكي أصبح بوابة رئيسية للمحتوى عند الطلب، حيث يفضل الشباب استخدامه للوصول إلى يوتيوب بدلاً من قنوات البث التقليدي.
ختاماً، يخلص التقرير إلى أن التحدي أمام المؤسسات الإعلامية يكمن في اختيار الصيغة المناسبة لكل منصة، وتحويل الفيديو من مجرد نسخة مصورة من النص إلى تجربة تفاعلية تلائم عادات المستخدم الرقمي، فالجمهور لم يفقد اهتمامه بالأخبار، بل أعاد صياغة الطريقة التي يريد استهلاكها بها.


